قواعد الترجمة القانونية

 

 

 

قواعد الترجمة القانونية وتقنياتها

 


سوف نعرّف في هذه الصفحة بالقواعد المعمول بها والتقنيات المتبعة في الترجمة القانونية. ونستهل ذلك بالتذكير بأن الترجمة القانونية هي قبل كل شيء ترجمة بين لغتين قانونيتين تعبران عن نظامين قانونيين مختلفين. وهذا يعني أن المصطلح القانوني محدود سلفًا بالنظام القانوني الذي ينتمي ذلك المصطلح القانوني إليه، وأنه لا يمكن فهمه وبالتالي ترجمته إلا من خلال ذلك النظام القانوني. من ثمة كان على مترجم النصوص القانونية أن يكون ملمًا بالنظامين القانونيين للغة المنقول منها واللغة المنقول إليها، وأن يترجم المصطلح القانوني للغة المنقول منها بما يقابله ويكافئه وظيفيًا من مصطلح قانوني في اللغة المنقول إليها، أي أن يعتمد استراتيجية (التكافؤ الوظيفي) طالما كان اعتماد هذه الاستراتيجية ممكنًا. ولكن هذه الاستراتيجية ليست دائمًا ممكنة في عملية الترجمة، مما يفرض على المترجم اعتماد تقنيات واستراتيجيات أخرى سنعالجها تباعا في هذه المادة المنشورة.      

يقصد بالتكافؤ الوظيفي(functional equivalence) في علم الترجمة العام "العلاقة المتجانسة بين القيم التواصلية للنص الأصل والنص الهدف، وكذلك بين الكلمات والجمل والتعابير الاصطلاحية والأبنية النحوية" (Nord 1997:138). أما في علم الترجمة القانونية فيقصد بالتكافؤ الوظيفي أن يترجم المترجم مصطلحًا قانونيًا في لغة قانونية ما بما يكافئه وظيفيًا من مصطلح قانوني في لغة قانونية أخرى(De Groot 1993:27 & 1998:16; Cao 2007:32). وإذا كانت لغة ما تستعمل للتعبير عن أكثر من نظام قانوني واحد، مثل العربية التي يوجد فيها غير نظام قانوني واحد (الشريعة، قانون نابليون، القانون الفرنسي، القانون العرفي ..)، ومثل الإنكليزية التي يوجد فيها غير نظام قانوني واحد (الإنجليزي والأمريكي على سبيل المثال لا الحصر)، فإن التكافؤ الوظيفي يعني أن نترجم المصطلح القانوني من النظام القانوني للغة المنقول منها إلى ما يجانسه ويكافئه وظيفيًا في النظام القانوني للغة المنقول إليها. فمصطلح "المذكرة الجوابية" في النظام القانوني المغربي أو "اللائحة الجوابية" في النظام القانوني السوري يترجم إلى النظام القانوني الإنجليزي بـreply to defence ، بينما تترجم إلى النظام القانوني الأمريكي بـmotion. فالنظامان القانونيان الإنجليزي والأمريكي يستعملان اللغة الإنجليزية ذاتها لكن المصطلحات القانونية يحدها النظام القانوني وليس اللغة العامة


ومثل ذلك ترجمة مصطلح مثلexamining magistrate إلى العربية التي تستخدم أكثر من نظام قانوني واحد كما تقدم. فالـmagistrate يعني ـ معجميًا ـ وفي أكثر اللغات الأوربية: "رجل القضاء". وهي كلمة عامة نسبيًا في الاستعمال القضائي عمومَ كلمة "دبلوماسي" في الاستعمال الإداري الرسمي. ومثلما قد يكون "الدبلوماسي" سفيرًا أو قنصلاً أو ملحقًا عسكريًا أو اجتماعيًا الخ، كذلك قد يكون "رجل القضاء" وكيل ملك أو جمهورية أو قاضيًا أو محاميًا عامًا أو قاضي تحقيق أو مدعيًا عامًا الخ. فالـexamining magistrate في النظام القانوني الإنكليزي هو "رجل القضاء المخول بالتحقيق والبحث والتحري"، فيقابله في النظام القانوني المغربي "قاضي التحقيق"، وفي النظام القانوني التونسي "حاكم التحقيق"، وفي النظام القانوني اللبناني "المحقق العدلي" (لبنان). أما في المملكة العربية السعودية فيقابل هذا المصطلح الإنكليزي "هيئة التحقيق" لخلو النظام القضائي السعودي من منصب قاضي التحقيق. وهذا كله يفترض بحثًا دؤوبًا عن المصطلح المناسب المكافئ وظيفيًا. ويقتضي هذا البحث الدؤوب عن المصطلح المناسب والمكافئ الوظيفي في الترجمة القانونية، مقارنة قانونية مستمرة بين الأنظمة القانونية المختلفة، مما يجعلنا نعتبر الترجمة القانونية نوعًا من المقارنة القانونية، تمامًا مثلما يجوز لنا أن نعتبر المقارنة القانونية نوعًا من الترجمة القانونية، لأن المقارنة بين الأنظمة القانونية المختلفة والبحث عن المصطلحات القانونيية المتقابلة والمتكافئة وظيفيًا، يشكلان أساس الترجمة القانونية إذن تعني تقنية التكافؤ الوظيفي أنه ينبغي على المترجم القانوني أن يترجم المصطلح القانوني في اللغة (أ) والنظام القانوني (أ) بما يقابله وظيفيًا في اللغة (ب) والنظام القانوني (ب). وهذا يعني أن الترجمة القانونية التي يستعمل تقنية التكافؤ الوظيفي في جميع مراحلها ممكنة فقط عندما نترجم بين لغيتين تستعملان نظامًا قانونيًا واحدًا كما هي الحال عليه في بلجيكا ـ حيث اللغة الهولندية والفرنسية ـ وكندا ـ حيث الإنكليزية والفرنسية ـ على سبيل المثال. أما في حال الترجمة بين لغتين اثنتين تستعملان نظامين قانونيين مختلفين (مثلاً من الشريعة الإسلامية إلى القانون المدني الفرنسي)، فإن تقنية التكافؤ الوظيفي لن تكون ممكنة على الدوام. في هذه الحالة يجب على المترجم القانوني أن يبحث عن حلول وبدائل مناسبة، نلخصها أدناه. وينبغي على المترجم القانوني أن يلجأ دائما إلى تطبيق تقنية التكافؤ الوظيفي عند وجوده، ولا يجوز له أن يجتهد قط عند وجود المكافئ الوظيفي. فالمكافئ الوظيفي للمصطلح القانوني الإنكليزيdefendant في العربية هو "المدعى عليه" وليس ـ على سبيل المثال ـ "المشكو منه" أو "المدافع عنه" أو "الخصم"، فهذه الكلمات الأخيرة، وإن عبرت عن معنىdefendant في المجال القانوني، فإنها لا تقابله وظيفيًا فلا يصح استعمالها حتى وإن وردت في المعاجم الإنكليزية العربية لأن المعاجم الثنائية ليست حجة في هذا السياق. الحجة هو النظام القانوني ومصطلحاته كما يحدها سلفًا ذلك النظام القانوني. ويجب على المترجم دائمًا أن يبحث عن المكافئ الوظيفي لا المكافئ اللفظي مثل "المدافع عنه"، فهذا الأخير مكافئ لفظي لكنه ليس مصطلحًا قانونيًا فلا يستعمل بل يبحث عن المصطلح القانوني المستعمل مكافئًا وظيفيًا في هذا السياق وهو "المدعى عليه" ولا يلجأ إلى المكافئ اللفظي إلا في حال عدم وجود مكافئ وظيفي.

.